السبت، 21 مايو 2011

إصلاحات تحت العين الساهرة للعسكر في الجزائر


ثلاث خطوات تكفي ليتأكد الجزائريون المتفائلون أن الإصلاحات السياسية التي بشرهم بها رئيسهم لن تكون إلا مناورة جديدة لربح الوقت وإطالة عمر الأزمة المتعددة الأبعاد في الجزائر ليستمر النظام الحاكم ويبقى في منأى عن عواصف التغيير التي تجتاح المنطقة العربية بلدا بعد آخر. الخطوة الأولى كانت بتكليف رئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح بإدارة جولات الحوار السياسي الرامي إلى تشكيل حزمة الإصلاحات الدستورية والتشريعية الموعودة، ثم جاءت الخطوة الثانية بتعيين الرئيس بوتفليقة اثنين من مستشاريه كمساعدين لعبد القادر بن صالح ويتعلق الأمر بكل من الجنرال محمد تواتي ومحمد علي بوغازي، أما الخطوة الثالثة فستكون يوم السبت المقبل وهو التاريخ المحدد لانطلاق هذا الحوار السياسي الموسع.
شهر كامل مضى على إعلان الرئيس الجزائري نيته في إجراء إصلاحات سياسية واسعة تفنن الدجالون والمتملقون في التهليل لها واعتبروها نقطة حاسمة في تاريخ الجزائر الحديث وذهب بعضهم إلى حد القول إنها لحظة ميلاد الجمهورية الثانية في الجزائر، مع أن كل ما نقل من كلام عن الرئيس هو قوله إنه ينوي إجراء إصلاحات سياسية تشمل تعديل الدستور وقانوني الأحزاب والانتخابات من دون أي تفصيل عن طبيعة المواد التي سيشملها التعديل الدستوي أو التغييرات التي ستشهدها الخارطة السياسية وفقا لقانوني الأحزاب والانتخابات المرتقبين.
كلام غامض عام أطلقه الرئيس فسارع المطبلون إلى تأويله وتقديمه للشعب الجزائري على أنه مشروع إصلاحي عظيم، لكن لحسن الحظ أن كذب هؤلاء وضحكهم على الناس لم يستمر طويلا فجاء أول قرار من الرئيس ليثبت لمن في قلبه شك أن هذه الإصلاحات تستحق وصفا اخترعته السلطة قبل سنوات على مبادرة سياسية تقدمت بها المعارضة لإنهاء أزمة الحرب الأهلية التي شهدتها الجزائر، فخرج وزير الخارجية أنذاك أحمد عطاف على الملأ فقال إن السلطة تعتبر هذه المبادرة بمثابة (لا حدث) ثم انطلقت إثرها الآلة الدبلوماسية والإعلامية للنظام لتحطيم هذه المبادرة وهي جنين.
الجزائر تعاني منذ خمسين عاما أزمات متواترة على الصعيد السياسي، سلطة غير شرعية تفننت في فرض سيطرتها على الشعب بقوة الحديد والنار، وقد كادت إصلاحات نهاية الثمانينات تعيد الأمور إلى نصابها لكن تبين فيما بعد أن النظام كان أقوى وقد التف بذكاء خارق على تلك المرحلة فأغلق قوسها واستعاد زمام الأمور ببطش أقوى. ثم ها هو في عصر الثورات الشعبية يحاول صد العاصفة عنه باعتماد حملة دبلوماسية شرسة ظهرت في صورة مكتملة من خلال الدعم القوي لنظام القذافي وتشويه صورة الثوار الليبيين وتقديمهم للرأي العام المحلي في صورة عملاء وخونة يسعون لإعادة الاستعمار إلى المنطقة وتهديد الجزائر في أمنها الداخلي والإقليمي، ثم حملة داخلية تحمل وعودا بإصلاحات سياسية جادة وشاملة للوضع في البلد. وبما أن فاقد الشيء لا يعطيه فإن وهم الإصلاح السياسي بدأ يتهاوى منذ أول خطوة في طريق تجسيده، وكان ذلك إثر تعيين عبد القادر بن صالح قائدا لجولات الحوار السياسي، وقد كان الرئيس وعد أن يسند هذه المهمة إلى شخصية وطنية، وقد تملكت الرأي العام حيرة وهو يسمع بخبر تكليف رئيس مجلس الأمة بمثل هذه المهمة الحساسة.
هل عبد القادر بن صالح صار فعلا شخصية وطنية أم أن الساحة السياسية خلت من الشخصيات فكان بن صالح الوحيد الموجود الصالح لهذه المهمة أم أن الرئيس حاول إسناد المهمة إلى شخصيات وطنية فعلية لكنها اعتذرت؟ من هو عبد القادر بن صالح يا ترى؟ حياة سياسية ومهنية عادية بدأها في الإعلام ثم العمل الدبلوماسي والبرلماني، ولعل أهم محطات مساره كانت عند تعيينه سنة 1993 ناطقا رسميا باسم لجنة الحوار الوطني التي أسست للمرحلة الانتقالية التي أعقبت وقف المسار الديمقراطي في الجزائر ثم عين بعد أقل من عام رئيسا للبرلمان الانتقالي المعين (المجلس الوطني الانتقالي) وبقي رئيسا للبرلمان الذي انتخب سنة 1997 في ظروف شهد الجميع بالتزوير الفاضح الذي حدث فيها، واستولى فيها حزب السلطة الجديد على الأغلبية مع أنه لم يكن مر على تأسيسه إلا بضعة أشهر، وقد كان بن صالح أحد مؤسسي هذا الحزب المعلن عنهم. واستمر الرجل مقربا من دوائر الحكم المنتنفذة وعندما جاء بوتفليقة رضي به لتولي رئاسة مجلس الأمة (الغرفة البرلمانية الثانية) خلفا للراحل محمد الشريف مساعدية ثم أعيدت تزكيته مرتين ولا يزال في منصبه إلى اليوم.
من أين اكتسب بن صالح صفة الشخصية الوطنية؟ الله أعلم! ولعل أطرف تعليق سمعته من صديق بمناسبة الحديث عن مهمة بن صالح الجديدة كان (ذئب عهدوا إليه برعي الغنم!)، إصلاح سياسي جذري يزيل الظلم والضيم عن الناس يعهد بمهمة الإشراف عليه إلى رمز من رموز الفساد والتزوير السياسي الذي لم تشهد الجزائر مثيلا لهما في تاريخها الحديث. أليست هذه خطوة قاصمة لكل حامل ذرة أمل في وعود الرئيس بالإصلاح؟
وجاءت الخطوة الثانية أكبر من أختها، تعيين الجنرال محمد تواتي مساعدا لبن صالح، ولنبدأ بالقول إنه لا يوجد أي جزائري يصدق أن هذا الترتيب الهرمي فيه ذرة من الجدية، جنرال لا يزال في الخدمة يكون مساعدا لمدني ولو كان في حجم الرجل الثاني في الدولة، فكيف عندما يكون هذا الجنرال اسمه محمد تواتي الذي يعرف في الساحة الجزائرية باسم (المخ) أو عقل النظام المفكر والمدبر. ماذا يعني تعيين الجنرال تواتي في لجنة المشاورات والإصلاح السياسي؟
هل هو أيضا شخصية وطنية؟ الرجل ارتبط اسمه بأحلك فترة مرت بها الجزائر وقد كان له فيها دور أساسي لا يخفى على أحد، رجل ينتمي إلى الدائرة الضيقة للطغمة العسكرية التي أحكمت قبضتها على مسار الوطن، فاختارت للشعب ممثليه في البرلمانات المتعاقبة ورؤساءه. وكأن اختياره الآن جاء اعترافا من الرئيس بوتفليقة بأن أية خطوة في طريق المبادرات السياسية لا بد أن تكون تحت إشراف العين الساهرة لأهل الحل والعقد فكان لزاما أن يكون الجنرال تواتي ضمن هذه اللجنة ليراقب ما يجري ويدير الحوار وفق المسار المخطط له وأيضا لردع أية مبادرة شاذة، أو لعل تعيينه جاء رسالة من الرئيس إلى شعبه يقول له فيها إن ما أعلن عنه من إصلاحات ليس فيها أي مؤشر جدي، كما قد يكون ذلك اعترافا منه أنه ليس بإمكانه أن يقدم أو يؤخر شيئا دون الرجوع إلى العسكر، لذلك فإن كل إصلاح مرتقب وفق هذا الإطار لا يمكن للجزائريين أن ينتظروا منه الشيء الكثير أو المفيد لتغيير أوضاع البلد وأحوالهم. الدستور سيعدل، لكن وفق ما ترتضيه المؤسسة الحاكمة، وقانون الأحزاب قد يأتي بأحزاب جديدة كما بشر بذلك قبل يومين مذيع نشرة الأخبار في التلفزيون الحكومي، لكنها لن تكون أحزابا نابعة أو ممثلة لإرادة الشعب، بل ستكون نسخة مطابقة لما تعرفه الساحة الآن.
لن نستبق مسار الخطوة الثالثة في هذه المبادرة، لكني أدعو الجزائريين إلى متابعة الشخصيات والأحزاب التي ستستمع إليها لجنة المشاورات ليتأكدوا بأنفسهم أن الجزائر أبعد ما تكون عن موعد ميلاد الجمهورية الثانية وأن الإصلاحات السياسية التي وصفوها بالجذرية لن تكون مختلفة عن المبادرات السابقة التي كان هدفها الأول والأساسي هو حماية النظام الحاكم من الاندثار وتغييب إرادة الشعب وحرمانه من حقه في التعبير الحر والاختيار الديمقراطي للنظام الذي يحكمه والرجال الذين يتولون المهمة.
انتظروا وسترون كم هو عدد الشخصيات السياسية المستقلة الفعلية والتيارات المتجذرة في الشعب ستستمع إليها لجنة بن صالح وتواتي، وإن بقيتم على تفاؤلكم فانتظروا العام القادم كما وعدوكم لتتأكدوا أنها كانت خدعة جديدة من النظام وأن الجزائر ضيعت شهورا حاسمة لأخذ مصيرها بيدها بعيدا عن سياسة الوصاية المفروضة على الشعب منذ استقلاله قبل تسع وأربعين سنة.








خضير بوقايلة
2011-05-17

كاتب وصحافي جزائري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق